جزر كوك تُعزز علاقاتها مع الصين: تحول استراتيجي يثير قلق الحلفاء الغربيين
على الرغم من حجمها الصغير، أصبحت جزر كوك مركزًا للاهتمام الدولي بعد توقيع رئيس وزرائها مارك براون مجموعة من الاتفاقيات الكبرى مع الصين دون التشاور مع نيوزيلندا، الحليف التقليدي للجزر. هذه الخطوة غير المسبوقة أثارت جدلاً واسعًا داخل البلاد وخارجها

رأت بعض الأطراف أنها تمثل تحولاً كبيرًا في سياسات الجزر وتهدد التوازن الإقليمي.
تشمل الاتفاقيات التي وقعها براون مجالات متعددة مثل البنية التحتية، السياحة، الزراعة، التعليم، والتكنولوجيا، بالإضافة إلى التنقيب عن المعادن في أعماق البحار. وقال براون إن هذه القرارات تستند إلى “المصالح طويلة الأجل” لجزر كوك، التي تعاني من التحديات الناتجة عن موقعها النائي وتغير المناخ.
ومع ذلك، لم يكن الجميع مقتنعين بهذه التبريرات. فقد أثارت الصفقات احتجاجات في راروتونجا، أكبر جزر كوك، وتصويت بحجب الثقة عن براون في البرلمان، على الرغم من نجاته منه. كما أعربت أستراليا ونيوزيلندا، الحليفان الرئيسيان، عن قلقهما المتزايد بشأن هذه الاتفاقيات.
العلاقة المتوترة مع نيوزيلندا
صرحت نيوزيلندا بأنها شعرت “بالصدمة” إزاء هذه الخطوات، لكن براون أكد أن جزر كوك دولة مستقلة ولا تحتاج إلى موافقة ويلينغتون على قراراتها. وعلى الرغم من محاولته طمأنة الحلفاء بأن العلاقات مع الصين لا تحل محل الروابط التاريخية، فإن هذا التجاهل الواضح يأتي في وقت يبدو فيه نفوذ الغرب في المحيط الهادئ يتراجع بشكل ملحوظ.

ترتبط جزر كوك بنيوزيلندا عبر ما يسمى بـ”الارتباط الحر”، الذي يمنح ويلينغتون دورًا في الدفاع والشؤون الخارجية، ويتيح لسكان جزر كوك الحصول على الجنسية النيوزيلندية. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة بدأت تتعرض لضغوط بسبب السياسات الجديدة.
في مظاهرة نظمت ضد الصفقات مع الصين، قال أحد سكان جزر كوك، جاكي توارا: “إن العلاقة مع نيوزيلندا ليست مجرد رابط سياسي، بل هي رابط ثقافي عميق مع إخواننا وأخواتنا في أوتياروا”. وأضافت: “لا نريد أن نرى مواردنا تباع للأعلى سعرًا. هذه الأرض والمحيط هما لنا ولأجيالنا القادمة”.
دعم شعبي للتحركات الجديدة
على الرغم من المعارضة، هناك العديد من المؤيدين لسياسات براون. الخبير في الشؤون الصينية فيليب إيفانوف وصف التحركات بأنها جزء من “اللعبة الكبرى” بين القوى الإقليمية. وقال إن دول المحيط الهادئ لديها “دوافعها الخاصة وقدراتها الخاصة”، مما يعني أن التعاون مع الصين يمكن أن يكون خيارًا استراتيجيًا مشروعًا.

تصاعد التوتر في المحيط الهادئ
بينما كانت الولايات المتحدة تقليديًا القوة المهيمنة في المنطقة، حاولت الصين تعزيز وجودها من خلال تقديم المساعدات والبنية التحتية والاتفاقيات الأمنية. ردًا على ذلك، عززت الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، حضورها الدبلوماسي والعسكري في المنطقة.
شاهد ايضا
أسواق الأسهم تشهد انخفاضًا حادًا مع تصاعد مخاوف حرب تجارية بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية
لكن مع استمرار إدارة ترامب في اتباع سياسات غير متوقعة، استغلت الصين هذا الفراغ لتقوية موقفها. في الأسبوع الماضي، أجرت بكين تدريبات عسكرية بالقرب من أستراليا ونيوزيلندا، مما أدى إلى تحويل مسار الطائرات التجارية. واعتبر الخبراء هذه الخطوة رسالة قوية لاختبار الاستجابة الدبلوماسية للأطراف المعنية.
قال محلل الدفاع إيوان جراهام: “هذه التحركات تعكس استراتيجية الصين لاستعراض قوتها البحرية والاستفادة من نقاط ضعف الحلفاء الغربيين”. وأشار إلى أن البحرية الصينية تتفوق في المنطقة على القوات البحرية الأصغر لأستراليا ونيوزيلندا.
المعضلة الاستراتيجية
تعترف وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ بأن المنافسة الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدًا. وبينما تحاول كانبيرا تحقيق توازن بين معارضتها للتوسع الصيني وشراكتها الاقتصادية مع بكين، تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية.
يقول جيمس لورينسون من معهد العلاقات الأسترالية الصينية: “أستراليا والصين لديهما مصالح استراتيجية متباينة، لكنهما تشتركان أيضًا في روابط اقتصادية كبيرة”. وأكد أنه يجب على الدولتين العمل على بناء علاقة قائمة على المصالح المشتركة.
مستقبل العلاقات
مع استمرار التوترات في المحيط الهادئ، يبرز سؤال حول كيفية تعامل القوى الإقليمية مع التحولات الجديدة. بينما تسعى الصين لتعزيز نفوذها، تشعر أستراليا ونيوزيلندا بعزلة متزايدة بسبب عدم اليقين بشأن التزام واشنطن تجاه المنطقة.
قال ميهاي سورا من معهد لووي: “الصين تريد إيصال رسالة واضحة: يمكنها التحرك بحرية دون معارضة فعلية من الحلفاء الغربيين”. وهذا يعكس تحديًا كبيرًا أمام النظام العالمي الحالي.





