“بلو أوريجين” تفتح بوابة الفضاء أمام ذوي الإرادة
رحلة تاريخية بطلتها أول مستخدمة لكرسي متحرك كيف يتحول الفضاء إلى بيئة بلا عوائق؟

منذ أن وطأت قدم الإنسان القمر، ظلّت صورة “رائد الفضاء” محصورة في قالب بدني صارم؛ جسد مثالي، لياقة خارقة، وحواس حادة. لكن شركة “بلو أوريجين” (Blue Origin)، بقيادة جيف بيزوس، قررت أن الوقت قد حان لكتابة فصل جديد في تاريخ البشرية. بإعلانها عن ضم أول راكبة تستخدم كرسياً متحركاً لرحلتها السياحية المقبلة، فإنها لا تطلق صاروخاً فحسب، بل تطلق رسالة أمل كونية. هذه الخطوة تعيد تعريف مفهوم القوة، وتؤكد أن العقل والشغف هما المحركان الحقيقيان للاستكشاف، وليس القدرة الحركية وحدها، مما يجعل من سياحة الفضاء منصة عالمية للشمولية الإنسانية.
ما وراء الاختيار: الفضاء كبيئة متكافئة
اختيار راكبة بكرسي متحرك ليس مجرد حركة دعائية، بل هو “بيان تقني” يثبت كفاءة هندسة الأمان في مركبة “نيو شيبرد” (New Shepard). من المفارقات العلمية الجذابة أن بيئة الفضاء (انعدام الجاذبية) هي المكان الوحيد الذي “تختفي” فيه الإعاقة الحركية تماماً.
داخل الكبسولة، بمجرد الوصول إلى حافة الفضاء، يصبح الجميع “متساوين”؛ فالأرجل التي لا تستطيع المشي على الأرض تصبح قادرة على “التحليق” بحرية تامة في الفضاء. الكرسي المتحرك الذي كان أداة للتنقل على الأرض، يصبح لا حاجة له في مدار حيث تُلغى قوانين الوزن، مما يمنح الراكبة تجربة من “الحرية الجسدية المطلقة” التي قد لا تجدها في أي مكان آخر على كوكبنا.
الهندسة من أجل الجميع: كيف تكيف الصاروخ؟
لم يكن من السهل دمج راكبة بكرسي متحرك في نظام مصمم أصلاً لمعايير بدنية تقليدية، وهذا ما دفع مهندسي “Blue Origin” للابتكار:
-
أنظمة التثبيت الديناميكية: تم تطوير مقاعد مخصصة قادرة على استيعاب احتياجات الراكبة الجسدية، خاصة أثناء مرحلة الانطلاق الصاروخي التي تتضاعف فيها الجاذبية بشكل كبير.
-
بروتوكولات “الطوارئ الصامتة”: تدريبات مكثفة للطاقم على كيفية مساعدة الراكبة في العودة لمقعدها قبل دخول الغلاف الجوي، وضمان استقرارها دون الحاجة لاستخدام عضلات الساقين.
-
إعادة تصميم الكبسولة: تعديلات طفيفة في المساحات الداخلية لضمان عدم وجود زوايا حادة قد تعيق الحركة في حالة الطفو الحر.
الأبعاد الفلسفية: الفضاء كحق إنساني
تأتي هذه الرحلة لترد على سؤال أخلاقي كبير: “لمن ينتمي الفضاء؟”. خلال عقود الحرب الباردة، كان الفضاء ينتمي للدول والجيوش. ثم أصبح ينتمي للعلماء، ثم للأثرياء. والآن، مع مبادرة “بلو أوريجين”، ينتقل الفضاء ليصبح ملكاً لـ “التنوع البشري”.
إن تمكين شخص من ذوي الهمم من النظر إلى كوكب الأرض من الخارج يغير السردية العالمية حول “العجز”. فعندما يرى العالم امرأة بكرسي متحرك وهي تطفو في انعدام الجاذبية بابتسامة نصر، ستتحطم آلاف الحواجز النفسية لدى ملايين الأطفال من ذوي الهمم الذين كانوا يظنون أن أحلامهم محصورة بحدود عجلات كراسيهم.
المنافسة الكونية والسبق الأخلاقي
في سوق سياحة الفضاء المزدحم بأسماء مثل “سبيس إكس” و”فيرجن غالاكتيك”، تراهن “بلو أوريجين” على “القيمة المضافة” للرحلة. بينما يتنافس الآخرون على “المدارات الأبعد”، اختار بيزوس المنافسة على “الرسالة الأعمق”. هذه الرحلة تجذب اهتمام المنظمات الحقوقية، وتفتح سوقاً جديداً تماماً لرحلات الفضاء المستقبلية، حيث سيكون “التصميم الشامل” هو المعيار الأساسي للمركبات الفضائية القادمة.
التأثير العلمي: بيانات طبية غير مسبوقة
إلى جانب البعد الإنساني، ستحمل الراكبة معها أجهزة استشعار لمراقبة استجابة جهازها الدوري والعصبي لانعدام الجاذبية. هذه البيانات ستكون “منجماً ذهبياً” للطب الفضائي؛ فهي ستساعد العلماء على فهم كيفية تأثير الفضاء على الأشخاص الذين يعانون من إصابات في العمود الفقري أو ضمور العضلات، مما قد يساهم في تطوير علاجات أرضية أو تقنيات تأهيل مبتكرة.
خاتمة: عندما تنحني الجاذبية للإرادة
إن رحلة “Blue Origin” المقبلة هي انتصار للإنسان على حدود الطبيعة. هي تذكير بأن العقل البشري، حين يقرر التحليق، لا يمكن لأي كرسي أو عائق أن يمنعه. عندما ينطلق الصاروخ حاملاً هذه الراكبة الملهمة، سيشهد العالم لحظة تاريخية تنحني فيها قوانين الجاذبية أمام قوة الإرادة.
هذه ليست مجرد رحلة سياحية لـ “Blue Origin”، بل هي قفزة نوعية نحو مستقبل يكون فيه “الفضاء للجميع” حقيقة واقعة، وليس مجرد شعار براق. السماء لم تعد هي الحدود، بل هي البداية لعالم جديد يقدر الإنسان لما هو عليه في داخله، لا لما تبدو عليه قدرته الجسدية في الخارج.





